‏إظهار الرسائل ذات التسميات مروة الحجاب الغرب التعصب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مروة الحجاب الغرب التعصب. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 8 يوليو 2009

الصيد فى المياه العكرة

تقدم اليوم نبيه الوحش المحامى المتخصص فى الصيد فى المياه العكرة ببلاغ إلى النائب العام يطالب بالتحقيق مع 11 شخصية عامة مصرية بتهمة التحريض على قتل الصيدلانية المصرية مروة الشربينى .. دعوى الوحش إستندت إلى أن كل من هذه الشخصيات قد إتخذ موقفا معاديا أو متخاذلا من الحجاب مما دفع المتعصب الألمانى إلى الإعتداء على الشهيدة المصرية..

هذه الدعوى التى تقدم بها الوحش لا يمكن فصلها عن موقف جريدة اليوم السابع و التى أعتقد شخصيا أنها أهم من روج للقب "شهيدة الحجاب" .. ففى عددها المنشور بالأمس أفردت الصحيفة صفحتين لقضية إستشهاد مروة و هو أمر طبيعى و ضرورى أيضا و لكن أحد هاتين الصفحتين خصصت بكاملها لعرض وجهة النظر التى عبر عنها نبيه الوحش فى دعواه ..

على هذه الصفحة نشرت اليوم السابع ثلاث مقالات بالعناوين التالية: "المؤامرة على حجاب مروة الشربينى بدأت فى القاهرة" و"حاسبوا قتلة مروة الشربينى فى مصر قبل أن تحاسبوا قاتلها فى برلين" و "مفاجأة جديدة .. أعداء الحجاب فى مصر يعتبرون وجود المحجبات فى أوروبا إستفزازا للثقافة الغربية!".

منذ بدأ الحوار حول هذه القضية أظهرت لعديدين ضيقى و إنزعاجى لمحاولة الترويج للقب "شهيدة الحجاب" .. ليس إعتراضا على كون مروة شهيدة بالطبع فهى إنسانة مسالمة قتلت غيلة و غدرا و هذا كاف لإعتبارها شهيدة .. و لكن القرن بين الشهادة و الحجاب هو بالتأكيد قفز فوق الحقائق و تصوير للأمور على غير الواقع .. مروة قتلت لأنها مسلمة و حقد ذلك المتعصب الحقير هو حقد موجه لكل مسلم و مسلمة.. حجاب مروة كان العلامة المميزة التى أشارت إلى حقيقة كونها مسلمة و لكن لو لم تكن محجبة و تصادف أن عرف ذلك المجرم أنها مسلمة بأى طريق آخر فما كانت النتائج لتتبدل بأى شكل..

هل ينفى ذلك أن ثمة قضية مثارة فى أوروبا عامة و فى فرنسا بشكل خاص حول الزى الإسلامى للمرأة بين الحجاب و النقاب؟ .. لا بالطبع .. و هل ينفى أن ثمة قضية للحجاب و النقاب مثارة و تناقش فى بلادنا ذاتها؟ .. الإجابة أيضا بلا .. و لكن الجمع بين القضيتين لمجرد تطابق العناوين هو خلط متعمد للأوراق و يعتمد على أن المتابع لا قدرة لديه على النظر إلى الأمور بالعمق المطلوب..

قضية الحجاب فى فرنسا تتعلق بتدخل دولة علمانية فى الحرية الشخصية التى يكفلها دستور هذه البلاد لمواطنيها من خلال منع بعضهم من إرتداء زى محدد .. الدولة ترى أن الحجاب رمز إسلامى يراد من إرتدائه إعلان الهوية الدينية و هو أمر تحظره القوانين العلمانية داخل المدارس تحديدا و لذلك فالقرار كان محصورا بتلك المدارس .. هذا القرار يكشف قصورا بالغا فى فهم حقيقة الحجاب لأنه ليس رمزا يشبه إرتداء رجل أو إمرأة لسلسلة يتدلى منها صليب على صدره و لكنه فى عقيدة أغلب المسلمين فريضة ينبغى على كل مسلمة الإلتزام بها كما تلتزم بالصلاة و الصوم فى رمضان إلخ .. و لذلك فقضية الحجاب فى فرنسا و فى أى دولة غربية أخرى قد تنظر فى منعه هى قضية دفاع عن حق كل إنسان فى ممارسة ما تمليه عليه عقيدته الدينية.. و لنكن أكثر وضوحا فى ذلك فليس يدخل فى تلك القضية مناقشة رأى أى إنسان غربى فى الحجاب نفسه فإن كان يراه قيدا على حرية المرأة أو مظهرا لدونيتها أو غير ذلك فهذا شأنه و من حقنا أن نناقشه فيه و لكن لا يدخل هذا فى إطار القضية الواضحة التى حدودها هى حرية العقيدة و حرية الممارسة للشعائر الدينية..

قضية الحجاب فى بلادنا لها أبعاد أعقد .. و فى أحد أوجهها هى على عكس قضيته فى الخارج .. ففى بلادنا يقوم البعض بفرض الحجاب على بناتهم أو زوجاتهم و يعمد البعض إلى إشاعة مناخ ضاغط يحاصر كل من تختار ألا ترتدى الحجاب و يربط بين خيارها ذلك و بين إتهامات أخلاقية مختلفة .. هذا كله فى إطار توجه أصبح عاما يسمح لأى شخص أو مؤسسة بالتدخل فى الحياة الشخصية لأى إنسان بدعوى إشاعة القيم و الأخلاقيات الإسلامية فى المجتمع .. هذا التوجه يتجلى فى كثير من المظاهر أكثرها وضوحا هو مطاردة الكتب و الأعمال الفنية و ملاحقتها بالدعاوى القضائية و تدخل بعض المؤسسات لمصادرتها أو التحريض ضدها إلى حد دفع البعض إلى التظاهر لمهاجمتها! ..

قضية الحجاب هنا عندما يتصدى لها البعض تتعلق بمحاولة إقناع المجتمع بتبنى نهجا أكثر تسامحا و أقل تدخلا فى الحرية الشحصية للمرأة.. و فى هذه النقطة تحديدا تتلقى القضية داخليا و خارجيا .. فإذا دافعنا عن حق المرأة المسلمة فى الخارج فى أن ترتدى الحجاب لأنها بذلك تمارس حقها فى ممارسة شعائر دينها وفق عقيدتها فينبغى أيضا أن ندافع عن حق أى إمرأة مسلمة فى أن تمارس حقها فى ألا ترتدى الحجاب إذا كانت تعتقد أنه ليس شعيرة إسلامية واجبة..

ليس هذا إلا وجه واحد للقضية لأنه بالمقابل تشهد بلادنا تمييزا ضد الحجاب تمارسه جهات و مؤسسات رسمية و غير رسمية .. أغلب هذا التمييز يتجلى فى حرمان المرأة المحجبة من فرصة الحصول على وظائف بعينها مثل الظهور على شاشة التليفزيون كمذيعة أو العمل كمضيفة على طائرة أو فندق إلخ .. أغرب مظاهر التمييز ظهر مؤخرا مع إمتناع مطاعم و مقاهى فاخرة عن إستقبال المحجبات بدعاوى سخيفة و مرفوضة .. إجمالا تندرج هذه الممارسات تحت قضية تدور حول التمييز ضد فئة من المجتمع بسبب خيارات يكفل الدستور لها حرية الإختيار فيها..

بعيدا عن الأوجه القانونية و الدستورية لقضية الحجاب فى بلادنا لا يبقى سوى النقاش و الجدل الذى يتراوح بين الشرعية و الحضارية و الرمزية و هذا كله يندرج تحت حرية الرأى و التعبير.. فمن حق أى إنسان أن يرى الحجاب ضرورة شرعية و يعلن عن رأيه و يدعو كل مسلمة إلى الإلتزام به.. فى المقابل من حق أى إنسان أن يتشكك فى مدى ثبوت شرعية الحجاب و يوضح رأيه هذا و يدعو له.. تدنى مستوى مثل هذا الحوار و تحوله إلى وصلات من الردح و السباب المتبادل و الإتهام بالإلحاد على جانب و بالتخلف و الرجعية على الجانب الآخر هو مسئولية المتحاورين و مسئولية المجتمع ككل الذى لم ينضج بعد بحيث يدير حواراته حول أى قضية فى مناخ أقل توترا و أكثر قدرة على إحترام الرأى و الرأى النقيض..

المأساة هى خلط الأوراق و نقل الحوار من قضية إلى أخر دون تبين حدود كل منها و أمثلة ذلك هى السائدة بحيث لا يكون أمامنا سوى التسليم بأن من يقدمون على ذلك إما أنهم جاهلون بالأطر الحقيقية لقضاياهم أو أنهم يتعمدون خلط الأوراق بهدف الصيد فى الماء العكر..

عندما ثارت قضية النقاب فى المحتوى الغربى بإعلان ساركوزى أن النقاب ليس مرحبا به فى فرنسا رأينا أحد المدافعات عن حقوق المرأة فى مصر تعلن عن تأييدها لمنع النقاب فى فرنسا!! و إستخدمت لتأييد رأيها هذا حجة أن النقاب ليس فريضة إسلامية!! .. هذا نموذج صارخ لخلط الأوراق و نقل القضية من صورتها المحلية إلى صورتها الخارجية .. المفروض أن الناشطة المصرية تدافع هنا عن حرية المرأة فى أن تختار و لكنها دعمت قرارا يحرم المرأة من الإختيار!.. فى نفس الوقت نقلت إلى سياق الحوار الخارجى شأنا إسلاميا و هو نقاش فرضية النقاب من عدمه و ليس لهذا النقاش علاقة بالقضية فى الخارج من قريب أو بعيد فالدولة العلمانية ليست حكما فى صحيح الشريعة الإسلامية أو المسيحية أو البوذية و يحظر عليها أصلا أن تتخذ قرارا بناءا على أى من هذه الشرائع سواء كان موضع القرار مجمع عليه أو مختلف فيه..

فى المقابل و مع الحادث المؤلم الذى ذهبت فيه مروة الشربينى ضحية للتعصب نرى نموذجا جديدا لخلط الأوراق .. فكما أوضحت لم تقتل مروة نتيجة لكونها محجبة بل نتيجة لكونها مسلمة أجنبية فى بلد يرى متعصبوه أنه ينبغى التخلص من كل أجنبى مقيم على أرضه .. لا علاقة للأمر هنا بحجاب مروة أو بالقضايا المثارة حول الحجاب .. و بالتأكيد لا توجد أى علاقة للأمر بحوار البعض هنا داخل مصر حول الحجاب فكما بينت يدور هذا الحوار حول حرية المرأة فى إختيار أن ترتدى الحجاب أو لا ترتديه و حول التمييز ضد المرأة بسبب حجابها و حول شرعية الحجاب و فرضيته .. و مثل هذا الحوار محصور فى بلادنا و من السخف تصور أن له أى أصداء خارجية إلا إذا..

إلا إذا هذه تتعلق بأن يقودنا خلط الأوراق فعلا إلى أن تندمج القضية بالخارج بالقضية فى الداخل و تتبادلا الحجج و وسائل الصراع بالرغم من أن المحيط و البيئة و المناخ مختلفين بل و متناقضين .. فعندما تتحدث الناشطة المصرية التى أشرت إليها إلى جمهور غربى حول أن النقاب ليس من الشريعة الإسلامية بل ممارسة متطرفة يفرضها المتعصبون فهى بذلك تروج لكذبة يصعب على جمهورها الوصول إلى حقيقتها و بالتالى فى فعلا تساعد على ترسيخ صورة غير صحيحة عن إرتباط النقاب بالتطرف و التعصب و من ثم بالإرهاب و هو مخزن المخاوف الغربية و بذلك تدعم هذه الناشطة من حيث لاتدرى مقولات يستخدمها اليمينيون المتطرفون فى الغرب ضد المسلمين و ضد مظاهر ممارستهم لشعائرهم الدينية..!!

و مرة أخر فى المقابل عندما يستخدم طرف فى الحوار الداخلى حول الحرية الشخصية و علاقتها بالشرائع الإسلامية حادث إستشهاد مروة كسلاح يشهره فى أوجه أطراف أخرى فى هذا الحوار فهو يخرج الحدث خارج سياقه و يحاول دعم تيار من الإرهاب الفكرى يقيد حق كل إنسان فى أن يكون له رأيه فى الحجاب أو غيره..

المحصلة أن خلط الأوراق من كلا الطرفين يدعم التوجه الأسوأ على الضفتين .. فالبعض يدعم أن يتجه الآخر الغربى أكثر إلى الشك بكل ما هو مسلم و يحفز قدرا أكبر من التعصب و تراجعا فى دعم الحرية الشخصية .. و البعض الآخر يدعم أن نتجه فى الداخل إلى قدر أكبر من تكميم الأفواه و محاصرة العقول و يقدم أسلحة جديدة لمهاجمة كل صاحب رأى و تظل الحرية الشخصية هى الخاسر الأكبر هنا أيضا..

نقطة اللقاء الحقيقية و الصحيحة بين قضية الحجاب فى الداخل و الخارج هى فى دعم حقوق الإنسان و حريته .. هذه هى دعامة دفاعنا عن حق المسلمة فى الخارج فى أن ترتدى حجابها أو نقابها وفق ما يمليه عليها خيارها الحر لما تعتقد فى أنه صواب و هى أيضا دعامة دفاعنا عن حق المسلمة فى الداخل فى أن تكتفى بالحجاب أو لا ترتديه وفق عقيدتها الشخصية و حقها فى ألا تضار فتحرم من وظيفة تستحقها أو تمنع من دخول مكان يحق لها كغيرها الدخول إليه ..

نقطة اللقاء الحقيقية و الصحيحة فى صورة أعم و أشمل هى أنه وبينما ننتفض غضبا على التعصب الغربى ضد المسلمين الوافدين عليه لا ينبغى أن نغفل برودنا و الشماتة المعيبة التى نظر بها البعض إلى التعصب الصارخ الذى قاد البعض إلى مهاجمة أناس آمنون فى بيوتهم و حرق تلك البيوت عليهم لأنهم يدينون بديانة لا تعجبهم رغم أنهم مواطنون مصريون لم يفدوا من الخارج!! .. علينا و نحن نطالب الآخر بأن يشعر بالخزى لعنصريته أن نستشعر الخزى نفسه لطائفيتنا التى تصل إلى منع الناس من الصلاة فى بيوتهم!! .. لا أطلب أن يكون صوتنا خفيضا فى مواجهة الآخر الغربى و لكنى أطالب برفع نفس الأصوات فى وجه الذات و محاولة إقامتها على الصواب الذى نطالب غيرنا بالإلتزام به.. و قبل ذلك فليتوقف محترفوا الصيد فى الماء العكر عن هوايتهم البغيضة و ليتنا نعمل على تصفية المياه حتى لا يمكن للمغرضين الصيد فيها..